المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان

62

مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة

[ عودة إلى الردة ] اعلم أيّدك اللّه : أن العلامة كانت بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في الإسلام أو الردة الصدقة ، فمن سلمها عدّ من المسلمين ، ومن منعها لم يختلف الصحابة في ردته ، ولا يسأل عن حاله بعد ذلك ، وقد شهدت بذلك أشعارهم وآثارهم لمن كان يعرفها ممن يعتني بأمور الدين ، ويفرق بين المسلمين والكافرين ، وذلك أنه لما قبض الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم اجتمعت الوفود لعاشرة من موت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى المدينة باذلين القيام بشرائط الإسلام وأنواعه ، مستعفين من الزكاة ، ونزلوا على كبار الصحابة متحرمين بهم ومستشفعين في نجاز ما سألوه ، فاجتمع جماعة من الصحابة واشتوروا « 1 » في ذات بينهم على قبول ما جاءوا به ، وجاءوا إلى أبي بكر فقالوا له ما دار بينهم ، وقالوا له : رأينا أن نساعدهم إلى ذلك حتى تبلغ ما تريد . فأبى ذلك أبو بكر أشد الإباء وقال - ما هو معلوم من قوله - : واللّه لو منعوني عناقا أو قال : عقالا مما أعطوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه . وأجلّ لهم يوما وليلة فلما خاض الناس في القول أمر بالنداء بالصلاة جامعة ، فلما قاموا قام فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : إن اللّه تعالى توكل لهذا الأمر فهو ناصر من لزمه ، وخاذل من تركه ، وإنه بلغني أن وفود العرب يعرضون الصلاة ، ويأبون الزكاة ، وإني لا أفرق ما جمع اللّه بينه ، ألا وإنهم لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لما قبلت منهم ، ألا وإن الذمة بريئة من رجل أجده من هذه الوفود بعد يومه وليلته بالمدينة - فوثبوا يتخطون رقاب الناس طائرين إلى عشائرهم ، ما بقي منهم في المدينة واحد ، وكانت الوفود من سليم ، وأسد ، وغطفان ، وهوازن ، وتميم ، ومن صافهم « 2 » .

--> ( 1 ) كذا في الأصل : وهي بمعنى تشاوروا . ( 2 ) قول أبي بكر : واللّه لو منعوني عناقا أو عقالا . . رواه الطبري في تفسيره القسم الثالث ج 24 / 23 ، وهو في ( السنن الكبرى ) للنسائي ج 2 / ص 8 ، ج 2 / 280 . وفي سنن أبي داود 2 / 93 ، والبيهقي في ( السنن الكبرى ) 4 / 104 ، 8 / 186 ، 9 / 182 ، والترمذي 5 / 3 ، والنسائي في ( المجتبى ) 5 / 14 ، والبخاري 6 / 2657 ، ومسلم 1 / 51 ، وأبو يعلى 1 / 70 .